سليمان بن حسان الأندلسي ( ابن جلجل )
مقدمة 34
طبقات الأطباء والحكماء
عبد العزيز ، هو الذي حدثه بهذه الحكاية في مسجد القرمونى بالأندلس سنة 359 ه . وهذا النص على أهميته لم يذكره ابن النديم ، الذي حفظ لنا أهم الأخبار في تاريخ العلوم والترجمة ، كما أنه لم يرد في كتب التاريخ ، وظل مجهولا عند المشارقة ، حتى عرفه الناس من ابن أبي صيبعة ، والقفطي وابن العبري نقلا عن ابن جلجل ، كما يذكرون . واهتم العلماء المعاصرون ، بهذا النص اهتماما كبيرا ، وأدركوا مدى قيمته في قدم حركة النقل والترجمة في صدر الدولة الأموية ، وعرفوا منه أيضا أن الأمويين كانت لهم خزائن للكتب عامرة بالمؤلفات العربية الأصلية ، والمترجمة إليها . ولما كان ابن جلجل ، هو المصدر الذي قدم لنا هذا الخبر ، رأيت أن أقف على صحة هذه الحكاية ومن هو محمد بن عمر بن عبد العزيز هذا الذي حدثه بها في مسجد القرمونى ؟ وبعد البحث في كتب التراجم - وخاصة الأندلسية - وجدت أنه محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم المشهور بابن القوطية أحد شيوخ ابن جلجل ، واطمأنت نفسي إلى صدق هذا الخبر عندما وجدت أن « القوطية » - وكانت من أبناء ملوك الأندلس - هي أم إبراهيم بن عيسى ابن مزاحم المذكور ، « وفدت على الخليفة هشام بن عبد الملك ، متظلمة من بعض أعمامها بالأندلس ، فتزوجها عيسى بن مزاحم ، أحد موالى الخليفة عمر بن عبد العزيز ، وسافر معها إلى الأندلس ، فكان ذلك سبب انتقال عيسى ابن مزاحم إلى الأندلس وإنساله بها 1 » . بعد هذا وضح الأمر ، وثبت أن هذا النص الخطير الهام ، سمعه ابن جلجل من أبى بكر ابن القوطية ، الذي يرويه عن جده عيسى بن مزاحم مولى الخليفة عمر بن عبد العزيز ، صاحب الفضل في إخراج هذا الكتاب إلى الناس ، فدونه في كتابه ، ونقله عنه بعد ذلك ابن أبي أصيبعة وابن القفطي وابن العبري معزوّا صراحة إلى ابن جلجل ، فذاع بين الناس في المشرق والمغرب واهتم به مؤرخو العلوم في عصرنا الحاضر .
--> ( 1 ) ابن خلكان 1 : 513 .